السقيلبية | مقالات ساخرة: حكاية الفتى الذي أعادوه لأبيه سالماً معافى |
زائر كتب "خطيب بدلة ** كان المعلمون في الأيام القديمة يتباهون بما يكنّه لهم تلامذتهم من احترام وتبجيل، فالتلميذ إذا رأى أستاذه، مجرد رؤية، ضمن حدود سور المدرسة، سرعان ما «يُخَشّب»- على حد تعبير الكاتب الفلسطيني الفذّ إميل حبيبي- ويصاب بداء الرجّافة، وإذا ازداد سوء طالعه عن الحدود الوسطى وسأله سؤالاً ما، تراه يتأتئ ويفأفئ «ويخنّق وينتّع» مثل موتور سيارة تمشي بالبنزين المغشوش!
وأما إذا كان التلميذ سارحاً، بعد دوامه، في ساحة الحارة، أو على البيدر، منخرطاً في
لعبة الدحل أو الدوش أو الحجلة، ورأى أستاذه قادماً من بعيد فإنه يترك كل شيء في مكانه ويعلّق قدميه بأذنيه، ويجري دون أن يلتفت إلى الوراء حتى يصل البيت خائفاً، قلقاً، متوجساً مثل القط الذي لحس اللبن الرائب!... وفي اليوم التالي، حينما يجلس على مقعد الدرس، يسعى جاهداً ألا تلتقي عيناه بعيني الأستاذ، خشية أن يجد فيهما شيئاً مايحل الركبتين من اللوم والتوبيخ على مارآه منه نهار الأمس!
هذا الكلام عن الحالة الاستبدادية التي كان يمارسها المعلمون على التلاميذ، وكانوا يسمونها، جرياً على عادة العرب في تسمية الأشياء بعكس دلالاتها: احتراماً وتبجيلاً، هو تقريباً ملخص ماقاله مدير المدرسة ومعلموها للسيد أبي أحمد والد الطفل المزعج «نبيه» حينما حضر إلى المدرسة بناءً على طلب الإدارة.
وتابع المدير يقول له مامعناه: إن ابنه نبيهاً لايكتفي بأنه لايحترم أساتذته، بل إن شخصيته تجاههم عدوانية شرسة، ولولا لطفُ الله لكان شجَّ رأسه شخصياً بحقيبته التنكية ذات الحواف المدببة!
وتدخل معلم الصف الأول، مقاطعاً كلام المدير، قائلاً باندفاع:
- لو أن الأمر وقف عند شج ابنك لرؤوس زملائه وجباههم بحقيبته التنكية لهان الأمر، ولاعتبرناها طفرة تحدث مرة في العمر، ولكن ابنك، الله يحفظه لك ولوالدته من شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد، ماانفك، منذ مطلع السنة الدراسية وحتى هذه اللحظة، يلكز أحد زملائه في صدغه، ويدغدغ خاصرتي آخر مسبباً له ضحكاً في غير أوانه، أو يدوس، بقدمه التي تشبه الشختورة، بغتة ودون سابق إنذار، على قدم زميل ثالث مما يجعله يصيح بالمقلوب... وأنا شخصياً ضبطته متلبساً بالجرم المشهود ذات مرة وهو يشد سبابته بإبهامه ويفلتها على صيوان أذن أحد زملائه من الخلف، فيطير صوابه! وفي مرة ثانية ضبطته وقد وضع قشرة برتقالة تحت قدم زميل له راكض في الممر، ثم أعطاه دفعة من الخلف، فتزحلق المسكين ووقع على بطنه وسبح على البلاط أكثر من عشرة أمتار، وقد غاب ذلك المسكين عن المدرسة أكثر من أسبوعين حتى شفيت رضوضه وكدماته، وضبطته في مرة ثالثة وقد اقتلع باب الصف وأسنده على الجدار في ممر الطابق الأرضي، ثم استوقف التلاميذ الخارجين من الصفوف المندفعين نحو الباحة لتمضية الفرصة، قائلاً لهم بأنه يريد أن يشرح لهم درساً في كيفية رعي الماعز، والضرب بالمقلاع، ودق الهبرة في جرن الكبة! وفي مرة رابعة ضبطته،..
توقف المعلم عن الشرح لحظة، ويبدو أنه وجد أن لاضرورة للإكثار من الأمثلة، وأشار بيده عبر نافذة الإدارة إلى حيث توجد مجموعة من الحمير الشاردة تركض على البيدر وتابع يقول:
- هذا مع العلم بأنه لو كان بإمكان أي واحد من تلك الجحاش الداشرة الراكضة على البيدر أن يحصل شيئاً من العلم، لكان في إمكان ولدكم أن يحصل شيئاً من العلم، مثله!
قال أبو أحمد، المغلوب على أمره، وقد اكتشف في تلك اللحظة أن ابنه المهبول «نبيه» قد دخل مرحلة جديدة من حياته، وهي مرحلة المشاكل التي ستنعكس بقوة عليه وعلى باقي أسرته من الآن فصاعداً:
- طيب أستاذ، ممكن أعرف أين هو الآن؟
فطلب المدير من الآذن أن يذهب إلى الغرفة الأخرى ويطلب من الشرطيين اللذين يحتجزانه أن يُحضراه إلى الإدارة، فلما وصل ناول المدير إضبارة نبيه للعم أبي أحمد، وقال له:
- رح ياعمي! الله يجبر مصيبتك!
وفجأة التفت نبيه نحو المدير وقال له ملوحاً بحقيبته ذات الحواف المدببة التي كان يستخدمها ككاميرا تصوير فيشج بها رؤوس زملائه:
- الله يخليك أستاذ، قبلما نتيسر، خليني أطق لك صورة تذكارية! "
|
|
| |
| روابط ذات صلة |  |
| تقييم المقال |  |
المعدل: 5 تصويتات: 1

| | | خيارات |  |
|