ارسل في: Mon Feb 08, 2010 3:02 pm عنوان الموضوع: ورطة قاتلة. ولا احتجاج! .. عقل العويط
الى أعوام قليلة فائتة، ستة أو سبعة، أو أكثر، كنتُ لا أزال أعتقد أن الشعر يخلّص، إيماناً منّي بأنه إذ يرفع عن كاتبه عبئاً جهنمياً يتغلغل في خلايا رأسه، وينتشر في كيانه، فلا بدّ، والحال هذه، من أن ينتشله من القعر، فاتحاً أمامه السبيل للإقامة في مملكة السلام والمصالحة مع الذات والعالم.
الآن، بحكم الاختبار الأدبي المتواصل، قراءةً وكتابةً ورؤيةً للذات والعالم، بتُّ على شبه يقين بأن لا رجاء مع الشعر، إلاّ وهمه. لا قبل، ولا أثناء، ولا بعد.
كنتُ الى حدّ كبير، شاعراً رومنطيقياً، وفق المعنى الخلاصي للكلمة، ولم أعد تقريباً كذلك. لقد أصبحت، على وجه التقريب، شاعراً واقعياً، منغمساً في الواقع، قبله، بعده، تحته، وفوقه، بما يتطلّبه الواقعيّ من لزوم "الملغصة" الكاملة والدائمة، ثم التملّص منه تقنياً، وتخطّيه بالشعر وبالشعريّ. وعليه، فقد انتهى عندي الاعتقاد بأن الشعر يخلّص. وهذا لَشيءٌ جيّد جداً، في اعتقادي، على الرغم من شغفي الجارف برومنطيقية الخلاص، وإن ليس ثمة خلاص.
الشعر، لي شخصياً، وبكل بساطة، يثبّت العبء في الدماغ، يضاعفه، ويجعله ينزل أعمق أعمق، بدل أن يبدّده. بل هو يستولي على الجسم استيلاءً روحياً ومادياً، ويتحكم بأمزجته ومراياه، ويجعل كاتبه في قعر القعر، حيث هناك تشيّد مملكة الاقتتال الذاتي دولتها المطلقة التي لا يحرّر منها إلاّ الموت، أو التوقف عن الكتابة.
لكن، حتى هذا الأخير، أعني التوقف عن الكتابة، لا يمكنه أن يحرّر كاتب الشعر من الاقتتال. ذلك أن محض التفكير شعرياً، أو محض التفكير في الشعر، بل محض رؤية الشعر عابراً، وإن من مسافة، يجعل صاحبه في الجهنّم. لا يحرّر من هذه الجحيم، إلاّ الموت الجسدي أو الاقتلاع العقلي والنفسي.
من منطلقات محض اختبارية، وبدون تعميم، أقول: عندي أن الشعر ليس مرفأً. وهو ليس مقدّساً. ولا ملائكياً. ولا سموياً. ولا طهرانياً. ولا بريئاً. ولا منزَّهاً. ولا نظيفاً. ولا لطيفاً. ولا مهذّباً. ولا دمثاً. ولا حنوناً. ولا إيجابياً. ولا آمناً. ولا مطمئناً. ولا هادئاً...
لا. هو ليس كذلك. كلّ اعتقاد، أو ادعاء، من هذا القبيل، يجعلني كائناً منفصماً. فأنا عملياً، وإن كنتُ أحصل على شيء زهيد من العزاء العابر عبوراً برهوياً، بل العابر كلحظة جنسٍ شبِق، فالتٍ من الدماغ أو من سواه، لا أحصل، في المقابل، على السلام الذي وعدتُ نفسي به، أو وُعدتُ به، أو وعدني به الشعر. بل أشعر أنني أقع من أعالي جبل سيزيف الى الوادي، خائباً، فلا يبقى منّي إلاّ حطام الارتطام المعنوي بالقعر، وما يتسبب به هذا الارتطام من دويّ عظيم في أشلاء الجسم.
الشعر، عملياً، قاتلُ كاتبِه. لكنه يخرج دائماً نظيف اليدين من المحاكمة.
بريء، وإن قاتلاً. فيا للمفارقة!
آخرون، قد لا يرون ما أرى. هذه رؤيتهم. في حالٍ كهذه، هم ربما بشرٌ قدّيسون ملائكيون سمويون طهرانيون بريئون منزَّهون نظيفون لطفاء مهذّبون حنونون إيجابيون آمنون مطمئنون هادئون. وهلمّ.
متحفظاً، أتدارك قائلاً، وإنْ على غير اقتناع: إذا لم يكونوا هم، كبشر، على هذه الحال من الأثيرية البيضاء، فإن الشعر، أكانوا يكتبونه أم يقرأونه أم يفضّلونه، لا بدّ أن يكون متضمّناً هذه الصفات، وموصوماً بها.
الشعر ذكيّ وخلاّق جداً، وقد يكون يحتل أعلى درجات الذكاء والخلق الافتراضيين. أعني الدرجة التي تتخطى طاقات العلم الرياضي البحت، ومَلَكاته.
هو ذكيّ وخلاّق لكنه قاتل. فهو خضمّ وأتون، وليس مرفأً ولا سندساً ولا فردوساً.
موحل. دامس. خادع. مغوٍ. مغرٍ. مخدِّر. لذيذ. مسمِّم. مسمَّم. مفتن. متوِّه. مهدِّئ. مثير. مليِّن. موتِّر. منافق. ملوَّث. مملغص. لئيم. موجع. معذِّب. مقلق. حارق. ملتهم. حاقد. كاره. أنانيّ. شرّير. دمويّ. مدمِّر. ماحق. مُفضٍ الى تهلكة انتظار المَخرج، في حين أنْ لا مَخرج. ولستُ أدري.
أعرف ذلك كلّه من خلال الاختبار الذاتي، لا من خلال النتائج المترتبة على الآخر. فأنا لا أصف أحوال الشعر عند المتلقي، ولا أستطيع، بل أحاول أن أصف هذه الأحوال عند الكاتب. بل عند نوع معيّن من الكتّاب.
متحفظاً، أتدارك قائلاً: هناك بالتأكيد، شعر لا تنطبق عليه هذه الحالات والأوصاف "السوداء" المذكورة آنفاً. هذا هو شعر النعيم الذي لم أتوصل اليه، ولا يعنيني، ولا أريده. عندما ظننتُ في أحد الأيام القديمة أنه يغويني، وأنه موصلٌ الى نعيم، رأيتُني في صفاقة الضدّ، وفظاظته، تماماً.
متحفظاً، أتدارك قائلاً أيضاً: هناك شعراء وقرّاء لا تنطبق عليهم هذه الحالات والأوصاف "السوداء". هؤلاء هم شعراء النعيم وقرّاؤه. أما أنا فشاعرٌ وقارئ أرضيّ، ولستُ منهم.
البشر، تقريباً جميع البشر، محكومون بغريزة البقاء، وبما تمليه عليهم هذه الغريزة من مستلزمات الاحتماء وردّ الصاع و... "القتل".
وعليه، فإن الشعر محكومٌ بصانعيه هؤلاء، فكيف يكون حرّاً؟ وكيف يكون مجرماً وقاتلاً؟ بل كيف لا يكون بريئاً؟
... والشاعر، إذا نظرناه من الجهة الخلفية من المرآة، هل هو ضحية؟ هل هو ضحية شعره؟
... وهل هو مخدوع؟ أم شريك كامل؟ أم وسيط؟ أم متواطئ؟ أم بريء؟
... وإذا كان بريئاً، فهل هو بريء تماماً وحقاً من جريمة قاتله؟
بعيداً من الإجابات النقدية والتأويلية، الضيقة والصارمة، وبعيداً من أحكام القيمة، وخصوصاً أحكام القيمة الأخلاقية، وبعيداً جداً من الهجاء والتقريظ، للشعر والشاعر معاً، أراني أقول إن الشعر لا يخلّص، إنما يورّط. إنه ورطة. وهو، عند المتورطين، ورطة قاتلة.
***
على سبيل "تبخيس" الرؤية الخلاصية والمنزَّهة للشعر، أراني ألفت الى رأي هو لنحّات أحبّه، ألبرتو جاكوميتي، لتأكيد شعرية الواقعي وفنّيته في الأدب والفن مطلقاً: "لم يعد ثمة شيء يهمّني سوى الواقع. أعرف أنني أستطيع أن أمضي ما تبقّى من حياتي في استنساخ كرسيّ".
وها أنا أواصل المضيّ في رحلة استخلاص نخاع هذا الواقع، وهو أكثر سحراً من السحر، وحلماً من الحلم، ورومنطيقية من الرومنطيقية، حيث الشعر ورطة، والشاعر ورطة، والقارئ ورطة، وحيث الواقع هو أيضاً ورطة.
... بل ورطة قاتلة. ولا احتجاج!
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى لاتستطيع حذف مواضيعك في هذا المنتدى لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى