ارسل في: Thu Jul 29, 2010 10:44 am عنوان الموضوع: الرحمة فوق القانون ...
يتردد على ألسنة الناس قول لطيف ومحبب، وخاصة عندما يجدون أنفسهم في موقف صعب أمام القضاء، مفاده أن (الرحمة فوق القانون) وهم محقون في ذلك.
فالرحمة يجب أن تكون فوق القانون كلما كان ذلك ممكناً، لأن غاية القانون هي العدالة، والعدالة كمفهوم إنساني وأخلاقي حسب الأصل، لا يمكن أن تتنكر للرحمة وللقيم الخلقية العامة، ومصدر هذه الرحمة قد يكون المشرع ذاته عندما يتبنى في تشريعه العقابي ظروفاً وأعذاراً مخففة للحكم فيمنح القاضي سلطة تقديرية تمكنه من تقدير ظروف الواقعة القانونية وإصدار الحكم الملائم مع روح العدالة، وقد يكون مصدرها القاضي عندما يفصل في نزاع ما، فيجد نفسه أمام حالة خاصة تستدعي الرحمة فيفسر القانون على نحو يستهدف فيه العدالة الحقة، كلما أتاحت له القاعدة القانونية عدة خيارات للحكم ضمن ميزان الشرعية.
ومقولة الرحمة فوق القانون مطلب إنساني قديم جداً، فقد كانت القوانين القديمة قاسية ومجحفة بحقوق الضعفاء، مما لم يجد هذا الوضع قبولاً لدى المفكرين والفلاسفة القدماء، فتمت مواجهته بأفكار قانونية جديدة وخلاقة بهدف الحد من قسوته وصرامته بالتمييز بين مفهوم العدل ومفهوم العدالة، والذي بدأ مع فلاسفة اليونان القدماء وخاصة (أرسطو).
وكذلك فعل الفقه القانوني الحديث حين ميز بين العدل (العدل الشكلي، القانوني) والعدالة (العدل الجوهري، الإنصاف)، ففكرة العدل ترتبط بالقاعدة القانونية بينما ترتبط فكرة العدالة بالمعايير القانونية.
فالعدل يفيد معنى المساواة، وهي مساواة مرتبطة بالدور الاجتماعي للقانون، فالمفروض أن يطبق القانون بمساواة جميع الأشخاص والحالات التي يتناولها في مركز قانوني معين ولغرض معين بالذات وللهدف الذي يرمي إليه، ويتحقق ذلك من خلال قواعد قانونية عامة مجردة تطبق على الجميع بنزاهة ودون محاباة، ويقتصر دور العدل الشكلي هنا على بيان أن الإجراءات كانت عادلة لأن أحداً لم يستثن أو يستبعد بشكل غير عادل من تطبيق القانون، لا فرق بين أم تسرق لإطعام أطفالها الجياع وبين من يسرق لإرضاء ملذاته وشهواته مثلاً، فالعدل القانوني يعتد بالوضع الظاهر لا بالوضع الداخلي الخاص للمخاطبين بحكمه، ولذلك شكك فلاسفة القانون في اعتبار العدل الشكلي وسيلة للحكم العادل بين إنسان وآخر، لأن الطبيعة العامة والمجردة للقاعدة القانونية تعني أنه لا يمكن إدراك كل حالة فردية بخصوصياتها، ولهذا فإن العدل الشكلي بما يحققه من مساواة شكلية قد يضغط على الحالة الفردية فتكون ضحية من ضحاياه.
أما العدالة فتفيد معنى الإنصاف، فقد وضع أرسطو يده، على فكرة المعيار القانوني عندما لاحظ صعوبة تطبيق القاعدة القانونية على ماأسماه الحالات المستعصية، وهي تلك الحالات التي يؤدي تطبيق القاعدة القانونية عليها إلى نتائج ظالمة، فنبه إلى ما يصحح جمود العدل القانوني، ألا وهو العدل الخاص، أو ما أطلق عليه اسم الإنصاف أو الملاءمة أو العدالة.
وتعني العدالة في معناها (الخاص)، إيجاد معاملة مختلفة للحالات الفردية الخاصة بالتخفيف من حدة وصرامة عمومية القاعدة القانونية، والعدالة بهذا المعنى، هي معيار لتشذيب عدم التناسق وعدم المساواة وإيجاد التوازن والتساوي بغية إصلاح ما هو ظالم وغير معقول حينما يطبق العدل القانوني المجرد، وفي هذا الإطار إضفاء للمرونة على قواعد القانون.
وقد اشتغل فلاسفة القانون على هذين المفهومين، القاعدة القانونية والمعيار القانوني, من عدة نواح ٍ موضحين تمايزهما، فمن الناحية الفلسفية، يرتكز تطبيق القاعدة القانونية على الذكاء (العقل)، بينما ترتكز سلطة التقدير التي تنطوي على تطبيق المعايير على حسن الإدراك (الحدس).
ومن حيث الطبيعة تتسم القاعدة القانونية بالتحديد والثبات لأنها تنطوي على فرض محدد يتضمن واقعة يفترض أنها ستقع في الحياة الاجتماعية، وحكم هو عبارة عن الأثر المترتب على حدوث تلك الواقعة، أما المعيار فهو موجه عام، يضع الخطوط العريضة التي توجه سلوك القاضي ويتيح له سلطة تقديرية واسعة عند إعمال القاعدة القانونية.
ومن حيث المجال القانوني، فحيث تكون الإجراءات آلية وحيث تتغلب دواعي الاستقرار والثبات للمراكز القانونية عن طريق توحيد الحلول فإن المشرع يلجأ لأسلوب القاعدة القانونية العامة المجردة التي تطبق إلى حد ما، تطبيقا آليا منطقياً فتعطي حلاً موحداً لحالات غير متناهية أو كما يقال (عدالة بالجملة)، ومنها تحديد سن الرشد والحصص الإرثية ومدد التقادم وغيرها، أما إذا كانت دواعي الإنصاف هي الغالبة فيلجأ المشرع إلى طريقة المعايير، ذلك أن تطبيق المعايير يعتمد على التجربة وينحو نحو تفريد العدالة، وعن طريق مرونة مصطلحاتها وتنوع حلولها فإنها تسمح بتلطيف القانون.
بقي أن نشير كمضمون لمقالنا إلى ما ورد في قانون حمورابي الرائد (1694ق.م) الذي تضمن أحكاماً متطورة لم تتوصل لها البشرية إلى يومنا هذا وما برحت تسعى إلى نيلها، من ذلك ما نصت عليه المادة (148) منه على أنه ( ليس للزوج أن يطلق زوجته المريضة بل عليه أن يعيلها طالما هي على قيد الحياة ولكن له أن يتزوج بأخرى) وما ورد شُرِّع قبل ما يقارب أربعة آلاف سنة.
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى لاتستطيع حذف مواضيعك في هذا المنتدى لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى